عبد الملك الجويني
319
الشامل في أصول الدين
له . فإن أحدا لم يحمل الآية على هذا المحمل من هذا الوجه ، ولكن ادعى هؤلاء أن الاستواء ، مع ما اتصل به من صلته ، محمول « على » العلو والرفعة . وقربوا القول في ذلك فقالوا : كلمة على ، وإن استعملت جارّة ، فهي مقتضبة من العلو أيضا ، وهذا ما لا ينكر . وقد يقرب النحاة الأسماء من معاني الأفعال ومن مصادرها ، وإنما يبعد الاشتقاق على الحروف وعلى اسم في معظم موارده ، فلا يبعد تقريبه من معاني العلو ، ويحقق كونه اسما اتصال الخافض به . قال الشاعر : غدت من عليه بنقض الظل بعد ما * رأت صاحب السماء استوى فترفعا وليس ذلك بأبعد من قول الأزهري « 1 » : إن أباك ، مشتق من أبيت ، إذا تعودت على أن أباك ضمير عند كثير من النحاة . والضمائر أولى الأشياء بالتعلي عن الاشتقاق ومشابهة الحروف . وإنما بسطنا القول في ذلك لتوبيخ الجهلة ، هذا المتأول في حمله الآية على العلو . وذكر شيخنا أبو الحسن أن الاستواء فعل من أفعال اللّه في العرش . وأوضح ذلك بأن قال : ما اتصف الرب به ، وامتنع صرفه إلى صفات الذات ، تعين صرفه إلى صفات الفعل . وهذا ، وإن ذكره شيخنا ، فلم يذكره مرتضيا له ، وفيه وجه من البعد . فإن المستوى بمعنى فاعل الاستواء في غيره ، بعيد في قضية اللغة . وفيما ذكرناه من الوجوه أكمل الغنية . ومما يسألون عنه ، قوله تعالى : أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ [ الملك : 16 ] . وهذا يقرب وجه الكلام فيما سبق . فيجوز أن يقال : معنى قوله : أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ [ الملك : 16 ] : حكمه وأمره وسلطانه . وقد بسطنا القول في نحو ذلك . ويجوز أن يريد اللّه بقوله : « مَنْ فِي السَّماءِ » ملكا ، مسلطا على عذاب مستوجب العذاب . وقد حمله بعض المتأولين على جبريل ؛ فإنه الذي جعله اللّه جعل قرى قوم لوط عاليها سافلها ، واقتلعها من حيث أراد اللّه ، واحتملها على قادمة جناحه إلى أعناق السماء . وهو المعنى بقوله تعالى : ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ [ التكوير : 20 ] ، وهو الموكل بالتدمير على القرون الخالية . وفي وجوه التأويل متسع .
--> ( 1 ) محمد بن أحمد بن الأزهر الهروي ، أبو منصور ( 282 - 370 ه - 895 - 981 م ) أحد الأئمة في اللغة والأدب ، مولده ووفاته في هراة بخراسان ، نسبته إلى جده « الأزهر » عني بالفقه فاشتهر به أولا ، ثم غلب عليه التبحر في العربية ، فرحل في طلبها وقصد القبائل وتوسع في أخبارهم ووقع في إسار القرامطة . من كتبه « غريب الألفاظ التي استعملها الفقهاء » و « تفسير القرآن » وغير ذلك . الأعلام 5 / 311 ، إرشاد الأريب 6 / 297 ، ووفيات الأعيان 4 / 334 - 336 .